فتاة سورية رأت حيواناً ينهش جثة طفلٍ ميت ففقدت عقلها

فتاة سورية رأت حيواناً ينهش جثة طفلٍ ميت ففقدت عقلها


كان للحرب السورية التأثير الرئيسي على دمار حياة ملايين العائلات واندثارها في بعض الأحيان. وليس من الغريب أبداً أن يفقد الكثير من الناس صوابهم كنتيجة لهذه الحرب الدامية التي لم تبقِ ولم تذر.

ومن المؤكد أن كل شخص منا سمع بقصة أحدٍ ما كان على معرفة به أنه قد فقد صوابه وأصبح يتسول في الشوارع إما لفقده منزله وأملاكه أو عائلته أو لرؤيته لمناظر لا يتقبلها العقل البشري.

وفي زيارة لمصحة الأمراض العقلية الواقعة في شمال سوريا ريف حلب (إعزاز) تجد العديد من الحالات المتشابهة والغريبة في نفس الوقت وكل منها تروي حكاية مختلفة.

وبين غرف هذا المركز، كانت تترامى إلى مسامع معدي التقرير أصوات مختلفة، حيث كان أحد المرضى يخاطب مرافقيه بصوت مرتفع، فيما انفجر مريض آخر ضحكاً دون سبب، في حين أخذ مريض ثالث يغني بصوت عالٍ جداً مبرزاً فمه الذي تساقطت منه كل الأسنان.

وقد وصل هؤلاء الأشخاص إلى هذه المرحلة من المعاناة النفسية نتيجة حياتهم التي انقلبت رأساً على عقب أثناء الحرب ومعاناتهم اليومية من أتباعها.

في الطابق الثاني من هذه المصحة، كانت العديد من النساء المحجبات اللاتي يرتدين فساتين مزركشة يستقبلن زوار المركز بضحكات مدوية، فيما تستلقي بعضهن على الفراش دون حراك.

ومن بين المرضى في هذه المصحة الواقعة شمالي محافظة حلب، مراهقة تبلغ من العمر 17 سنة. وقد بدا القلق ظاهراً على محيّاها من ضرار آل صبح (أحد الأطباء العاملين في هذا المركز).

وفي هذا الصدد، ذكر الطبيب آل صبح متحدثاً عن هذه الفتاة المراهقة قائلاً: (لقد رأت بأم عينيها حيوانات وهي بصدد افتراس جسد طفل ميت).

وأضاف آل صبح أن (هذه الفتاة تعرضت إثر هذا المشهد، إلى صدمة كبيرة أفقدتها القدرة على الكلام، كما تعجز في الوقت الراهن عن النوم وتناول الطعام).

في حين  يرقد مريض آخر ينحدر من منطقة الرقة في غرفة أخرى من غرف المصحة. وقد اكتشف هذا المريض، في وقت سابق، جثة زوجته وأطفاله الستة تحت ركام منزله الذي قصف في 2016.

وأشار الطبيب (آل صبح) الذي يبلغ من العمر 46 سنة، إلى أن هذا المريض (يعاني هو أيضاً من اضطرابات في النوم، حيث غالباً ما تتراءى له صور عائلته في منامه، لتتحول سريعاً إلى كابوس مقيت).

يذكر أن بعض الحالات المرضية قد قدمت إلى هذه المصحة قبل فترة من دخول سوريا في موجة صراع داخلي. ولكن، أغلب المرضى النفسيين، وخصوصاً الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، يرتبط سبب مرضهم أساساً بمخلفات الحرب. وفي هذا السياق، أورد الطبيب آل صبح، قائلاً: (لقد سجلنا ارتفاعاً ملحوظاً في نسب الإصابة بالكآبة ومتلازمة ما بعد التعرض للصدمة).

من جهته، يتذكر الممرض محمد منذر جيداً لحظة استقبال المركز للعديد من المرضى الذين كانوا من بين الأشخاص الذين تعرضوا للإيقاف خلال المظاهرات السلمية التي جابت شوارع سوريا سنة 2011.

وفي سياق متصل، أفاد هذا الممرض، الذي يبلغ من العمر 35 سنة أن (هؤلاء الأشخاص تعرضوا للتعذيب والضرب، وخاصة على مستوى الرأس مما تسبب لهم في اضطرابات نفسية).

كما يشكو بعض المرضى من قلق نفسي حاد، وذلك على خلفية موجة العنف التي أزهقت إلى حد الآن روح قرابة 330 ألف شخص.

وأوضح محمد منذر أن بعض المرضى ينزعجون للغاية عند سماعهم لأصوات الطائرات التي تحلق فوق المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة بهدف قصفها.

وحالياً يتمكن المركز من استقبال 140 حالة بشكل دوري, إضافة إلى الحالات الأخرى التي تأتي للمعاينة بين الحين والآخر.

في السابق، كان هذا المركز يقع في أحد الأحياء المحيطة بمدينة حلب، قبل أن يتم نقله إلى مكان آخر، عقب دخول قوات المعارضة إلى المدينة في سنة 2012.

حيث صرح مدير المصحة (محي الدين عثمان) أن المصحة أثناء عملها في حي مساكن هنانو تعرضت للقصف مما أدى إلى إصابة أحد الممرضين بجروح بالغة جداً. 

ونتيجة لذلك، لاذ عدد كبير من الطاقم الطبي بالفرار تاركين خلفهم مرضى تاه بعضهم بين الشوارع. ومباشرة، تم الاستنجاد بمنظمة غير حكومية تركية وذلك لنقل المرضى، بمساعدة أطباء سوريين، نحو مصحة واقعة غرب مدينة حلب. إثر ذلك، تكفلت الهيئة العالمية (أطباء عبر القارات) بنقل كل المرضى نحو مركز الرعاية النفسية في مدينة (إعزاز).

من ناحية أخرى، أقر الطبيب آل صبح بأن أفراد الطاقم الطبي في هذه المصحة يعجزون في بعض الأحيان عن علاج العديد من الحالات المتعلقة بالكآبة. وقد سرد آل صبح قصة أحد المرضى الذي كان يشكو من كآبة حادة والذي قدم لزيارته في عدة مناسبات دون أن ينجح في علاجه. وفي هذا الصدد، صرح الطبيب قائلاً: (لقد سألت هذا المريض إذا ما كانت تجول في خاطره أفكار تدفعه للانتحار، فأجابني بلا. وبعد 15 يوماً، وضع حداً لحياته).

في واقع الأمر، تشكو هذه المصحة من نقص حاد في الدواء، حيث تتلقى أحياناً مساعدات من قبل منظمة الصحة العالمية، في حين أن أغلب الأدوية المستخدمة يتم جلبها من الأسواق التركية المحلية.

من جهته، أفاد الطبيب آل صبح، معلقاً على هذا الوضع (لقد أصبحنا منهكين نفسيًا). وأردف آل صبح، أنه "في بعض الأحيان، نتعرض للضرب والإهانة من قبل مرضانا. وبالتالي، نلجأ من وقت إلى آخر إلى أخذ استراحة بعيداً عن المصحة".

ومن المثير للاهتمام أنه عادة ما يتم تقديم وجبة خضراوات وبهارات للمرضى في وعاء معدني، حيث يأكل بعضهم على الطاولة، في حين يفضل آخرون تناول وجباتهم وهم جالسون على الأرض.

وقال الممرض محمد منذر: (نحن نعمل على كسب تعاطف الأشخاص عن طريق كتيبات ننشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في إطار محاولاتنا للتعريف بالمشاكل النفسية على اعتبارها أمراضاً كبقية الأمراض).

من جهته، أشار الطبيب آل صبح إلى أن (وجود هذا المركز في منطقة إعزاز يعد في حد ذاته أمراً إيجابياً لأن سكان هذه المنطقة يرحبون بنا، خاصة وأنهم لا يعتبرون المشاكل النفسية بمثابة نقطة ضعف).