تحالف الدول على تركيا

تحالف الدول على تركيا


وجهت محاولة الانقلاب الفاشل التي حدثت في 15 تموز العام الماضي صدمة كبيرة لكافة دول العالم قاطيةً. وبالطيع كان لبعض الدول العربية نصيب ليس بقليل في تأييد هذا الانقلاب ودعم القائمين عليه حيث قدموا الدعم اللوجستي لمنظمة فيتو،وهي المنظمة المسلحة التي يقودها التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن الذي دبر الانقلاب الساقط وبذلك بدت العلاقة واضحة بين غولن والأطراف الداعمة له.

 في حين كانت ردت فعل البعض الآخر من العرب على العكس وأبدوا دعمهم للشعب والحكومة التركية.

برزت الحكومة المصرية بوصفها أوضح المؤيدين لمحاولة الانقلاب في تركيا في 15 تموز. في أعقاب الانقلاب الساقط،أعلنت حكومة الجنرال، عبد الفتاح السيسي،أنها ستنظر في منح اللجوء لفتح الله غولن إذا أجبر على مغادرة الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تقاعست السلطات المصرية عن فرض قيود على أنشطة فيتو داخل حدودها، وسمحت لممثلي المجموعة بالظهور على القنوات التلفزيونية المصرية للدفاع عن مدبري الانقلاب. وعلاوة على ذلك، تبنى المذيعون التابعون للحكومة المصرية خطا إعلاميا داعما لمدبري الانقلاب على الحكومة التركية المنتخبة ديمقراطيا. وفي محاولة لنشر رسائل غولن في العالم العربي، بثت شبكة تلفزيونية يملكها محمد دحلان، المستشار الفلسطيني لدى دولة الإمارات، مقابلة مع غولن العقل المدبر للانقلاب الساقط.

كانت دولة الإمارات العربية مؤيدا قويا لمحاولة الانقلاب في تركيا. وقد كُشف أخيرا أن الإمارات التي لم ترقها سياسة أنقرة الإقليمية في السنوات الأخيرة، اتخذت سلسلة من الخطوات المبطنة لدعم محاولة فيتو لإزاحة الرئيس التركي،رجب طيب أردوغان، عن السلطة.

وفي حزيران، كشفت رسائل البريد الإلكتروني التي سربت من الحساب الشخصي لسفير أبو ظبي في واشنطن، يوسف العتيبة، أن الإمارات لعبت دورا أكبر مما كان متوقعا في الانقلاب الساقط في الصيف الماضي .

أظهرت رسائل البريد الإلكتروني أن العتيبة على اتصال وثيق مع كبار المسؤولين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات وهي مؤسسة فكرية مقرها الولايات المتحدة تمول في المقام الأول من قبل رجل الأعمال المؤيد لإسرائيل شيلدون أديلسون. وتلقي الرسائل المتبادلة بين سفير الإمارات وجون حنا أحد كبار مستشاري المؤسسة، مزيدا من الضوء على علاقة أبو ظبي بمدبري الانقلاب في تركيا.

وفي إحدى الرسائل الإلكترونية التي سربت، أرسل حنا وهو نائب مستشار الأمن القومي السابق لنائب الرئيس السابق ديك تشيني، مقالا يتهم فيه الإمارات ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطية بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا في 15 / تموز، وقال حنا مازحا في الرسالة نفسها " نتشرف أننا شركاء معكم"

وكان حنا نشر من قبل مقالا في مجلة " فورين بوليسي" بعنوان " كيف يمكن حل مشكلة مثل أردوغان" اقترح فيه أن ينقلب الجيش التركي على أردوغان من أجل إنقاذ تركيا.

كما كتب الصحفي البريطاني، ديفيد هيرست، في مقال نشره موقع ميدل إيست آي في يوليو من العام الماضي أن الإمارات خصصت أموالا طائلة لضمان نجاح محاولة الانقلاب في تركيا. وزعم أن محمد دحلان، الذي يتصرف بالنيابة عن حكومة الإمارات، قدم الأموال إلى نشطاء فيتو. وفى الشهر الماضى صرح وزير الخارجية التركي، مولود شاويش أوغلو، أن دولة مسلمة أنفقت 3 مليارات دولار على جهود الإطاحة بحكومة أردوغان، مما يضيف وزنا للادعاءات بأن الإمارات مولت محاولة الانقلاب فى العام الماضى.

دوافع الإمارات

هناك عدة أسباب تقف وراء رغبة دولة الإمارات في إسقاط الحكومة التركية:


أولاً, ليس سرا أن الإمارات كانت مستاءة من نهج الحكومة التركية تجاه ثورات الربيع العربي. وعندما اندلعت الاحتجاجات في كثير من دول الشرق الأوسط، أعربت أنقرة عن تضامنها مع القوى المؤيدة للديمقراطية، وأيدت علنا استبدال الأنظمة الاستبدادية التي تسيطر عليها الغرب بحكومات منتخبة ديمقراطيا. واعتقادا منها بأن هذه الرسالة المؤيدة للديمقراطية تضر بمصالحها الخاصة، اتخذت أبوظبي تدابير ضد تركيا.

ثمة عامل مهم آخر يقف وراء دعم الإمارات لمدبري الانقلاب التركي،هو دعم تركيا لجماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة معتدلة تتمتع بشعبية واسعة في مصر وعبر العالم الإسلامي.

وإيمانا من النخب السياسية في أبوظبي بأن جماعة الإخوان تشكل تحديا لحكمهم، فقد تبنت هذه النخب سياسة قوية ضد الإخوان. في عام 2013، دعموا الانقلاب العسكري الذي قام به السيسي وأطاح بمحمد مرسي والإخوان من السلطة في مصر، وبعد ذلك اتخذوا سلسلة من الخطوات للإطاحة بحكومة تركيا بطريقة مماثلة، كما نسقوا - إلى جانب المملكة العربية السعودية - الحصار المستمر على قطر.

كان موقف الحكومة التركية تجاه إيران وليبيا سببا آخر وراء دعم الإمارات لمحاولة الانقلاب الساقط: في ليبيا تدعم الحكومة التركية تشكيل حكومة ديمقراطية، في حين تدعم دولة الإمارات الحكومة العسكرية بقيادة خليفة حفتر وترفض مساعدة البلد الذي مزقته الحرب على التقدم نحو الديمقراطية. وفي الوقت نفسه ماتزال أبو ظبي قلقة من علاقات أنقرة الودية مع طهران، في وقت ترغب فيه في عزل إيران.

كما أن العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية القوية مع قطر هي سبب آخر وراء موقف الإمارات العدائي تجاه الحكومة التركية. يثير التعاون بين أنقرة والدوحة شعورا بالقلق لدى بعض دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ لأنها لا تريد أن تصبح تركيا أكثر تأثيرا في منطقة الخليج. وقد كانت دعوة أبوظبي والرياض أخيرا إلى الإغلاق الفوري للقاعدة العسكرية التركية في قطر مثالا على هذا القلق.

وأخيرا، فإن سعي تركيا إلى نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط يشجع الإمارات على العمل بشكل وثيق مع اللاعبين الإقليميين والعالميين لعزل أنقرة، وأشركت الإمارات الإمارات مصر والمملكة العربية السعودية وألمانيا وإسرائيل والولايات المتحدة وغيرها في محاولة لتقليص النفوذ التركي في الشرق الأوسط.

إن تركيا، التي تلتزم بهدف تعزيز الديمقراطية والسلام ونشر التنمية والرفاه الاقتصادي لجميع المجتمعات في الشرق الأوسط، ستبقى لاعبا محوريا في المنطقة. ومن المفارقات أن الدعم الذي قدمه بعض أصحاب المصلحة المحليين والعالميين لمدبري الانقلاب في تركيا لم يعزز فقط شعبية الرئيس التركي أردوغان، بل قاد أيضا أنقرة إلى إعادة النظر في سياستها تجاه البلدان المذكورة. ولأن سياسة تركيا تقوم على تعزيز التعاون الإقليمي، وحث اللاعبين المحليين على زيادة السيطرة على الشرق الأوسط، فمن المتوقع أن تعمل الحكومة التركية على نحو أوثق مع الحكومات التي تشترك معها في هذه الأهداف، وأن تتخذ إجراءات أقوى ضد من لا يقبلون ذلك.